وهبة الزحيلي

242

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وليس المقصود من قوله : فَكُلُوهُ صورة الأكل ، وإنما المراد به الاستباحة بأي طريق كان . وهو معنى قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ليس المراد نفس الأكل ؛ إلّا أن الأكل لما كان أوفى أنواع التمتّع بالمال عبّر عن « التّصرفات » بالأكل . ونظيره قوله تعالى : إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [ الجمعة 62 / 9 ] إن صورة البيع غير مقصودة ، وإنما المقصود ما يشغله عن ذكر اللّه تعالى مثل النّكاح وغيره ، ولكن ذكر البيع ؛ لأنه أهم ما يشتغل به عن ذكر اللّه تعالى . 4 - إيجاب المهر في الخلوة الصحيحة : احتجّ الجصاص « 1 » بقوله تعالى : وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً على إيجاب المهر كاملا للمخلو بها خلوة صحيحة ، ولو طلقت قبل الدخول ( المساس ) . ويلاحظ أن الآية عامة في كلّ النساء ، سواء المخلو بها وغيرها ؛ إلّا أن قوله تعالى : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ يدلّ على أنه لا يجب للمخلو بها إلّا نصف المهر ، وهذه الآية خاصة ، والخاص مقدم على العام . الحكمة من تعدد الزوجات : الوضع الطبيعي وهو الأشرف والأفضل أن يكون للرجل زوجة واحدة ، لأن الغيرة مشتركة بين الزوج والزوجة ، فكما أن الزوج يغار على زوجته ، كذلك الزوجة تغار على زوجها . ولكن الإسلام أباح التعدّد لضرورة أو حاجة وقيّده بقيود : القدرة على الإنفاق ، والعدل بين الزّوجات ، والمعاشرة بالمعروف . والإباحة لأحوال استثنائية منها :

--> ( 1 ) أحكام القرآن : 2 / 57